📁 تدوينات جديدة

شعرية الممكن في مجموعة «النزوح نحو الممكن» لميثم الخزرجي: دراسة نقدية للدكتورة وسام علي الخالدي

شعرية الممكن في مجموعة «النزوح نحو الممكن» لميثم الخزرجي: دراسة نقدية للدكتورة وسام علي الخالدي

بقلم الأستاذة الدكتورة وسام علي الخالدي / العراق

تغدو الكتابة السردية، في تجلياتها المعاصرة، فعلا وجوديًا يعيد مساءلة العالم بقدر ما يعيد تشكيله، فلا تكتفي بمحاكاة الواقع أو تسجيل وقائعه، وإنما تنفتح على أفق الإمكان بوصفه طاقةً جماليةً قادرةً على زحزحة المألوف واستنطاق المسكوت عنه. ومن هنا يغدو «الممكن» مفهومًا سرديًا يتجاوز دلالته المعجمية ليؤسس رؤية فكرية وجمالية تنقل الإنسان من أسر الوقائع إلى رحابة الاحتمالات، ومن منطق الانكسار إلى فلسفة المقاومة وإعادة بناء المعنى.

وتأتي مجموعة «النزوح نحو الممكن» للقاص ميثم الخزرجي بوصفها مشروعًا سرديًا يشتغل على هذا الأفق؛ إذ لا يحيل عنوانها إلى حركة مكانية عابرة، بل ينهض بوصفه استعارةً كبرى تختزن وعيًا وجوديًا عميقًا، فالنزوح هنا ليس انتقالا من جغرافيا إلى أخرى، وإنما عبورٌ من واقعٍ مأزوم إلى أفقٍ تتجدد فيه إمكانات الإنسان، ومن سلطة العدم إلى فضاء الحلم، ومن يقين الخراب إلى احتمالات الخلاص. وبذلك يغدو «الممكن» مركزًا دلاليًا تنتظم حوله القصص جميعها، وتتوالد منه الرؤى والأصوات والشخصيات.

وتكشف نصوص المجموعة عن وعي سردي يتجاوز التمثيل المباشر للواقع، ليعيد إنتاجه عبر بناء فني قائم على التكثيف والإيحاء والانزياح الدلالي، حيث تتداخل الأزمنة، وتتجاور مستويات الوعي، وتتحول التفاصيل اليومية البسيطة إلى علامات ثقافية وإنسانية كثيفة، تستدعي التأويل أكثر مما تستدعي الوصف. ومن ثم فإن السرد لا يروي الحكاية بقدر ما يفتح فضاءً للتفكير في الإنسان وهو يواجه أسئلة الخوف، والحرب، والنزوح، والفقد، والهوية، والأمل.

وتنبع شعرية الممكن في هذه المجموعة من قدرة الكاتب على تحويل المأساة إلى طاقة جمالية، والحدث الواقعي إلى رؤية إنسانية تتجاوز حدود الزمان والمكان. فالشخصيات لا تستسلم لسطوة الخراب، بل تواصل البحث عن نافذة للضوء، حتى وإن كان هذا الضوء احتمالًا مؤجلًا. ومن هنا تتأسس البنية السردية على جدلية دقيقة بين الواقع والممكن، وبين الانكسار والرجاء، وبين حضور الألم وإصرار الحياة، بما يمنح النصوص بعدًا إنسانيًا رحبًا، ويحررها من أسر المحلية لتلامس الهم الإنساني العام.

وتسعى هذه الدراسة إلى استجلاء ملامح شعرية الممكن في مجموعة «النزوح نحو الممكن» من خلال تحليل بنياتها السردية والجمالية، والكشف عن آليات إنتاج الدلالة فيها، ورصد العلاقة بين العنوان والنص، وبين الرؤية الفكرية والتشكيل الفني، فضلًا عن استقراء التقنيات التي اعتمدها ميثم الخزرجي في بناء عالمه القصصي، وكيف أسهمت في تحويل السرد من فعلٍ حكائي إلى فعلٍ معرفي وجمالي يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان والعالم، ويجعل من الممكن قيمةً وجوديةً وجماليةً تتجاوز حدود النص إلى أفق القراءة والتأويل.

ولعل أبرز ما يلفت المتلقي منذ الصفحات الأولى هو أن ميثم الخزرجي لا يكتب عن النزوح بوصفه حدثًا عارضًا فرضته الحرب، وإنما يعيد تشكيله بوصفه تجربة وجودية تتشابك فيها أسئلة الإنسان مع أسئلة المكان والهوية والمصير. ومن ثم تتجاوز الحكايات بعدها التوثيقي لتصبح نصوصًا تستقرئ التحولات النفسية التي تصيب الإنسان حين يفقد يقين المكان، ويغدو البحث عن الحياة نفسها شكلًا من أشكال المقاومة. إن السرد هنا لا يحتفي بالمأساة لذاتها، بل يجعل منها منطلقًا لتوليد أفق جديد تتأسس فيه قيمة الممكن بوصفها نقيضًا للعدم.

وتتجلى هذه الرؤية منذ قصة «الحلم وطفل»، إذ يجعل الكاتب المدرسة فضاءً رمزيًا لإعادة بناء الإنسان بعد الخراب، فتغدو المعرفة فعلًا من أفعال المقاومة، ويتحول الحلم الفردي إلى مشروع جماعي لاستعادة المستقبل. ففي لحظة حوار مع التلاميذ يسأل الراوي أحدهم: «وما هو حلمك؟»، فيجيب الطفل: «أريد أن أصبح رسامًا»، فيستقبل المعلم حلمه بقوله: «جميل... جميل... هذه بداية شيء من رسامتك»، وهي لحظة سردية تتجاوز بساطتها الظاهرية لتؤسس دلالة عميقة مفادها أن الفن نفسه يصبح ممكنًا للخلاص، وأن الحلم هو أول أشكال الانتصار على واقع القهر.

ويتَعزّز هذا المعنى حين يقدم طفل آخر حلمه بأن يصبح طبيبًا يعالج الفقراء، بينما يطمح آخر إلى أن يكون مهندسًا زراعيًا يعيد للأرض خصوبتها، فلا تبدو هذه الأحلام مجرد رغبات طفولية، بل تتحول إلى مؤشرات دلالية على إعادة إنتاج الحياة في مواجهة ثقافة الموت، وكأن الكاتب يعمد إلى بناء مقابلة رمزية بين مشروع البناء الذي تحمله هذه الشخصيات الصغيرة، وبين مشروع الخراب الذي فرضته الحرب.

ومن جهة أخرى، لا ينفصل الممكن في هذه المجموعة عن المكان، إذ يتحول المكان السردي من فضاء جغرافي إلى كيان نفسي وثقافي يحمل ذاكرة الجماعة. فكل انتقال مكاني يقابله انتقال في الوعي، وكل نزوح خارجي يكشف عن نزوح داخلي أكثر عمقًا، حتى يصبح الإنسان غريبًا داخل ذاكرته قبل أن يكون غريبًا عن مدينته. ومن هنا تتكثف دلالة العنوان؛ فالنزوح لا يتجه نحو مكان بديل، بل نحو إمكانية جديدة للوجود، بما يجعل الحركة السردية قائمة على جدلية الفقد والاستعادة، والانكسار والتجاوز.

ويزداد هذا الأفق الدلالي اتساعًا في قصة «غصة كونية»، التي يستثمر فيها الكاتب فضاء الطريق بوصفه مسرحًا للقلق والترقب، حيث تتداخل أصوات الخوف مع احتمالات النجاة، وتتحول الرحلة إلى اختبار وجودي يواجه فيه الإنسان هشاشته أمام عنف الواقع. ولا يقدم السرد الحرب بوصفها حدثًا سياسيًا فحسب، بل بوصفها قوةً تعمل على تفكيك العلاقات الإنسانية، وإعادة تشكيل الوعي الفردي والجمعي، وهو ما يمنح النص بعدًا إنسانيًا يتجاوز خصوصية المكان العراقي إلى أفق كوني أشمل.

وتنبثق شعرية الممكن كذلك من اللغة التي يختارها ميثم الخزرجي؛ فهي لغة مشبعة بالإيحاء، تميل إلى الاقتصاد التعبيري، وتستثمر الصورة السردية بوصفها أداةً لإنتاج المعنى، فلا تأتي الجملة وصفًا جامدًا للأحداث، وإنما تتحول إلى علامة جمالية تتولد منها طبقات متعددة من التأويل. ولهذا تبدو الشخصيات أقل اهتمامًا بشرح معاناتها، وأكثر ميلًا إلى الإفصاح عنها عبر الحركة والصمت والإيماءة، الأمر الذي يمنح النصوص كثافةً دلالية، ويجعل المساحات المسكوت عنها أكثر تأثيرًا من الكلام المباشر.

إن شعرية الممكن في هذه المجموعة لا تُبنى على التفاؤل المجاني، وإنما تنشأ من داخل الألم نفسه؛ فكل لحظة انكسار تُنتج إمكانية جديدة للمقاومة، وكل خسارة تفتح بابًا لإعادة اكتشاف الذات، ولذلك يغدو الممكن فلسفةً جماليةً قبل أن يكون موضوعًا سرديًا. ومن هنا تتجاوز قصص «النزوح نحو الممكن» حدود التمثيل الواقعي لتؤسس خطابًا إنسانيًا يرى في الأدب قدرةً على ترميم ما تهدم في الداخل، واستعادة المعنى في عالم يتكاثر فيه الخراب، وهو ما يمنح تجربة ميثم الخزرجي خصوصيتها داخل المشهد القصصي العراقي المعاصر، بوصفها تجربةً تنحاز إلى الإنسان، وتؤمن بأن السرد ليس مرآةً للواقع فحسب، بل طاقة خلاقة قادرة على صناعة الممكن.

وإذا كان العنوان يمثل المدخل التأويلي الأول للمجموعة، فإن المتن السردي لا يلبث أن يوسع من دائرة هذا التأويل عبر شبكة من العلامات النصية التي تجعل «الممكن» حالةً متحركة لا تستقر عند حدود الأمل المجرد، وإنما تتحول إلى ممارسة وجودية تنتصر للإنسان في أكثر لحظات ضعفه. فالشخصيات لا تمتلك حلولًا جاهزة، ولا تتجاوز محنتها بمعجزة سردية، بل تشق طريقها عبر تفاصيل يومية صغيرة، يمنحها الكاتب قيمة رمزية كبيرة، حتى يغدو الفعل الإنساني البسيط انتصارًا على منطق الفناء.

ولا يخفى أن ميثم الخزرجي يراهن على بناء سردي يجعل الإنسان مركز الدلالة، فلا يطغى الحدث على الشخصية، ولا تستأثر الحرب بمشهدية النص، بل تبقى الخلفية التي تُبرز قدرة الإنسان على إعادة تعريف ذاته. ومن هنا تتقدم الشخصيات بوصفها ذواتًا قلقة، تحمل ذاكرة مثقلة بالخسارات، لكنها لا تفقد قابليتها للحلم. ولذلك فإن القارئ لا يجد نفسه أمام شخصيات مهزومة، بل أمام شخصيات تؤجل هزيمتها باستمرار عبر الإيمان بإمكانية الغد.

وتزداد شعرية الممكن عمقًا من خلال المفارقة التي يبنيها الكاتب بين عالمين متقابلين؛ عالم الخراب الذي تفرضه الحرب، وعالم البراءة الذي تمثله الطفولة. فالأطفال في هذه المجموعة ليسوا عناصر ثانوية في البناء الحكائي، وإنما يمثلون الضمير الأخلاقي للنص، لأن أحلامهم البسيطة تعيد ترتيب سلّم القيم الإنسانية، وتجعل المستقبل أكثر حضورًا من الماضي، والحياة أكثر قوة من الموت. ولهذا يبدو الطفل في كثير من القصص حاملًا لخطاب الأمل، بينما يحمل الكبار ذاكرة الألم، فتتشكل جدلية فنية بين الذاكرة والحلم، وبين الخبرة والبراءة، لتنتج رؤية إنسانية متوازنة لا تستسلم للتشاؤم ولا تنجرف نحو التفاؤل المجاني.

كما تتجلى براعة الكاتب في قدرته على تحويل التفاصيل الهامشية إلى بؤر دلالية مركزية؛ فدفتر صغير، أو لوحة يرسمها طفل، أو كلمة تشجيع عابرة، أو ابتسامة في زمن الخوف، كلها تتحول إلى علامات سردية تتجاوز وظيفتها الوصفية لتغدو إشارات إلى أن الحياة قادرة دائمًا على استعادة نبضها مهما اشتدت قسوة الواقع. وهنا تكمن شعرية الممكن؛ إذ لا تنبع من الأحداث الكبرى، وإنما من التفاصيل التي تبدو عابرة، لكنها تحمل في عمقها قدرة استثنائية على إعادة إنتاج المعنى.

وتكشف المجموعة، في مستوى آخر، عن وعي واضح بعلاقة الذاكرة بالمكان، فالمكان لا يغادر الشخصيات حتى وهي تغادره، بل يظل حاضرًا في اللغة، وفي الحنين، وفي تفاصيل الاسترجاع، وكأن النزوح الحقيقي ليس مغادرة المدن، بل محاولة حملها داخل الذاكرة خوفًا من ضياعها. لذلك تتعدد صور المكان بين المدرسة، والطريق، والبيت، والمدينة، لكنها جميعًا تشترك في كونها فضاءات تحمل ذاكرة الإنسان، وتختزن تاريخه الشخصي والجمعي، الأمر الذي يمنح المكان وظيفة رمزية تتجاوز حدوده الجغرافية.

ومن الناحية الفنية، تتسم لغة ميثم الخزرجي بدرجة عالية من الاقتصاد التعبيري، إذ تتخلص الجملة من فائض الزخرفة، لتقترب من نبض الشخصية وإيقاع الحدث، دون أن تفقد شعريتها. فالكاتب لا يثقل النص بالوصف المطول، وإنما يعتمد الإيحاء، ويترك للقارئ مساحة واسعة للمشاركة في إنتاج الدلالة، وهو ما ينسجم مع طبيعة القصة القصيرة بوصفها فنًا يقوم على التكثيف والاختزال، وعلى استثمار الصمت بقدر استثمار الكلام.

كما تتكئ البنية السردية على تقنية المفارقة، إذ كثيرًا ما تبدأ القصص من مشهد مألوف، قبل أن تنفتح تدريجيًا على أفق دلالي غير متوقع، فيتحول الحدث البسيط إلى سؤال وجودي، ويتحول الحوار اليومي إلى كشف نفسي، وتغدو النهاية لحظةً لإعادة قراءة النص كله من جديد. وهذه القدرة على تأجيل المعنى وإعادة إنتاجه تمنح النصوص حيوية تأويلية تجعلها قابلة لقراءات متعددة، وهو ما يمثل أحد أهم مظاهر نضج التجربة السردية لدى الكاتب.

وعليه، فإن شعرية الممكن في هذه المجموعة لا تقوم على تقديم أجوبة نهائية، بل على إثارة الأسئلة التي تدفع القارئ إلى إعادة التفكير في مفاهيم الخسارة، والنجاة، والوطن، والهوية، والإنسان. وهذا ما يجعل «النزوح نحو الممكن» تجربةً سردية تتجاوز حدود التمثيل الواقعي، لتغدو مشروعًا جماليًا وفكريًا ينهض على إعادة الاعتبار للإنسان بوصفه القيمة العليا في مواجهة العنف، ويؤكد أن الأدب، حين يمتلك رؤيته الفنية العميقة، يستطيع أن يحول الألم إلى معرفة، والخراب إلى أفق، والمستحيل إلى ممكن.

تعليقات